هناك وظائف في الإدارة العامة تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومحددة، لكن أهميتها لا تأتي دائماً من مسماها الوظيفي، وإنما من موقعها بالقرب من مركز القرار؛ ومن بين هذه الوظائف مسمّى مدير مكتب الوزير، وهي وظيفة موجودة في الهيكل التنظيمي، ولها دور إداري معروف في تنظيم مواعيد الوزير واتصالاته وملفاته ومتابعة أعمال مكتبه، لكن السؤال يبدأ عندما يتجاوز الدور التنظيمي حدوده الطبيعية إلى مساحة قد ينشأ فيها نفوذ يتجاوز الوصف الوظيفي.
وهنا السؤال الذي أضعه أمام حكومة حسان: أين تنتهي وظيفة مسمّى مدير مكتب الوزير ويبدأ النفوذ؟
هذه المسألة ليست جديدة على النقاش العام. فقد أثار صحفيون وكتاب الموضوع أكثر من مرة، وما يثار حول نفوذ بعض مديري مكاتب الوزراء.
والقضية لم تبقَ في الإعلام، فقد وصلت سابقاً إلى مجلس النواب؛ واشتكى بعض النواب من عدم استجابة بعض مديري مكاتب الوزراء لاتصالات واستفسارات النواب.
وهذه الواقعة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد الرد على اتصال: ماذا يحدث عندما يصبح مدير المكتب هو البوابة العملية إلى الوزير؟ ومن يحدد ما يصل إلى هذه البوابة، وما يبقى خارجها؟
في بعض الشكاوى والانطباعات المتداولة، لا يعود الحديث عن مدير مكتب ينظم العمل فقط، بل عن مخاوف من أن يتجاوز بعض شاغلي هذه المواقع الدور التنظيمي إلى التأثير في ملفات إدارية، بما فيها التشكيلات والتنقلات والترقيات والإحالات على التقاعد، أو أن تصبح لديهم قدرة غير رسمية على التأثير في ترتيب الأولويات والطلبات.
وهنا يجب أن يكون النقاش دقيقاً. فليس من المنصف القول إن جميع مديري مكاتب الوزراء يمارسون نفوذاً يتجاوز صلاحياتهم، ولا يجوز تحويل الشكاوى أو الانطباعات إلى حقائق ثابتة من دون تحقق. لكن تكرار هذه الأسئلة يستحق معالجة مؤسسية واضحة لا تجاهلاً.
فإذا كانت هناك صلاحيات مفوضة لمدير المكتب، فلتكن واضحة ومكتوبة ومحددة. وإذا لم تكن هناك صلاحية، فلا ينبغي أن تنشأ سلطة فعلية من القرب الشخصي أو من القدرة على تنظيم الوصول إلى الوزير.
وهنا تظهر أخطر منطقة في القضية: النفوذ غير المرئي؛ قد لا يحمل مدير المكتب قراراً، وقد لا يملك توقيعاً مستقلاً على معاملة، لكنه بحكم موقعه يستطيع أن يؤثر في وصول الملف، أو ترتيب المقابلة، أو تمرير الاتصال، أو إيصال معلومة إلى الوزير أو تأخيرها. وهذه التفاصيل، وإن بدت إدارية في ظاهرها، قد تصبح مؤثرة عندما تغيب عنها المعايير الواضحة.
وعندها تصبح عبارة «مدير المكتب يملك كلمة السر» تعبيراً عن مشكلة مؤسسية محتملة، لا توصيفاً لشخص بعينه؛ وحين يرتبط الوصول إلى الوزير بعلاقة شخصية أو بمدى القرب من المكتب، قد يشعر بعض الموظفين والمراجعين بأن أبواباً تفتح لأشخاص أكثر من غيرهم، وأن القدرة على الوصول إلى صاحب القرار ليست متاحة بالقدر نفسه للجميع.
وهنا مكمن الخطر؛ فالدولة أكبر من مسمّى مدير المكتب، والمؤسسة العامة أكبر من أي موقع وظيفي، ولا ينبغي أن تُدار شؤون الموظفين بمنطق القرب أو الجغرافيا والرضا الشخصي، أو أن يصبح المسار الوظيفي رهناً بعلاقة الموظف بمن يملك بوابة الوصول إلى الوزير.
والأخطر أن غياب المعايير الواضحة قد يولد داخل بيئة العمل انطباعات حول من يستطيع تمرير الطلب، ومن يستطيع تسريع الوصول إلى القرار، ومن يملك قدرة أكبر على التواصل مع الوزير. وعندها قد يبدأ السؤال الخاطئ: من يقف وراء هذا الموظف؟ ومن يستطيع دعمه؟ بدلاً من السؤال الصحيح: ماذا أنجز؟ وما الذي تسمح به القواعد؟ ومن أين يستمد صلاحياته؟
وعندها لا يعود النفوذ بحاجة إلى قرار مكتوب؛ يكفي أن تصبح آلياته معروفة في بيئة العمل.
وهناك أيضاً تساؤلات تُطرح أحياناً حول طول بقاء بعض شاغلي هذه المواقع، وحول انتقال المعرفة غير المكتوبة في المكتب من شخص إلى آخر. والخبرة المتراكمة أمر طبيعي ومطلوب في الإدارة، لكن المطلوب أن تكون المعرفة المؤسسية ملكاً للمؤسسة، وأن تتحول الخبرة إلى إجراءات واضحة قابلة للاستمرار، لا إلى مفاتيح غير مكتوبة مرتبطة بشخص أو موقع.
فالوظيفة العامة ليست ملكية شخصية، والنفوذ الإداري لا ينبغي أن ينتقل من شخص إلى آخر، ولا أن يصبح القرب من الوزير مصدراً لسلطة تتجاوز حدود الوصف الوظيفي.
والوزير نفسه قد يكون من أكثر المستفيدين من وضوح هذه الحدود. فالوزير يحتاج إلى أن يسمع من موظفيه ومديريه ومراجعيه، وأن تصله المعلومات بصورة كاملة ودقيقة، وأن تكون أمامه قنوات متعددة للوصول إلى الملفات والآراء والملاحظات، لا أن يصبح المكتب قناة وحيدة تمر عبرها المعلومات والاتصالات.
ومن هنا، فإن ضبط دور مدير مكتب الوزير ليس انتقاصاً من الوظيفة ولا من شاغلها، بل هو حماية للمؤسسة واستقرارها وللموظف وللمواطن متلقي الخدمة، وحماية للوزير نفسه ولجودة القرار الإداري.
ولا يعني ذلك إلغاء مسمّى مدير مكتب الوزير؛ فالوظيفة في أصلها ضرورية لتنظيم العمل ومساندة الوزير؛ لكن المطلوب هو أن تكون حدودها واضحة، وأن تكون أي صلاحيات إضافية ممنوحة لها محددة ومكتوبة وقابلة للمراجعة، وأن تبقى القرارات الإدارية في إطارها القانوني والمؤسسي.
كما أن من المهم أن تكون هناك آليات واضحة للتواصل مع الوزير، وألا يتحول تنظيم المكتب إلى احتكار لقنوات التواصل، وأن تبقى المؤسسات الحكومية قادرة على استقبال الملاحظات والشكاوى والطلبات وفق إجراءات معلنة وعادلة.
وهنا يأتي دور حكومة حسان في مراجعة هذه المسألة ضمن مشروع تحديث الإدارة العامة: ليس باعتبارها قضية أشخاص، وإنما باعتبارها قضية تتصل بوضوح الصلاحيات، وسلامة الإجراءات، ومنع التداخل بين الأدوار الرسمية وغير الرسمية.
نريد مدير مكتب يساعد الوزير، لا مدير مكتب يتحول إلى مركز قرار مستقل. ونريد مكتباً ينظم الوصول إلى الوزير، لا مكتباً يتحكم في الوصول إليه. ونريد موظفاً قريباً من الوزير بحكم وظيفته، لا شخصاً يصبح قريباً من القرار إلى درجة يتحول معها القرب إلى سلطة غير محددة.
ونريد أن تكون التشكيلات والتنقلات والترقيات والإحالات على التقاعد وغيرها من القرارات الإدارية خاضعة للقانون والأنظمة والتعليمات والمرجعيات المختصة، وفق معايير واضحة وقابلة للمراجعة، لا للوعود أو العلاقات الشخصية.
إن الإصلاح الإداري لا يكتمل بتغيير الهياكل والمسميات فقط، بل يبدأ من التفاصيل التي تصنع واقع الإدارة اليومية، ومن هذه التفاصيل كيفية عمل مسمّى مدير مكتب الوزير، وحدود الدور الذي يقوم به مسمّى مدير المكتب، وطبيعة العلاقة بين المكتب والوزير وبقية وحدات الوزارة.
لذلك، فإن السؤال أمام حكومة حسان واضح: هل تتطابق السلطة التي يمارسها مدير المكتب فعلياً مع الصلاحيات التي يحددها القانون والأنظمة والتعليمات؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فلتكن الحدود واضحة ومعروفة. وإذا كانت هناك فجوات بين النص والممارسة، فلتكن هناك مراجعة مؤسسية ورقابة ومساءلة، بما يحفظ للوظيفة دورها ويمنع تحول القرب من مركز القرار إلى مصدر قرار.
فالوزير هو صاحب الولاية على وزارته ضمن الأطر القانونية، ومكتب الوزير أداة لتنظيم عمله، والقرب من مركز القرار لا ينبغي أن يتحول إلى قرار.
ختاماً، ولعل ما يستحق أن نضعه أمام حكومة حسان هو مفهوم «الانتباه» الذي أستحضره مما أشار إليه جلالة الملك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين.
وليس المقصود هنا ربط خطاب جلالته في سياقه الدولي مباشرةً بالشأن الإداري الداخلي، وإنما التوقف عند معنى ومفهوم «الانتباه» الذي طرحه الخطاب، واستحضاره كفكرة يمكن أن تكون لها دلالة في الإدارة العامة.
فما نوليه «انتباهنا» اليوم هو ما نقرر معالجته قبل أن يتحول إلى مشكلة أكبر.
ومن هنا، فإن ملف مسمّى مديري مكاتب الوزراء يستحق «انتباه» حكومة حسان، لا باعتباره ملفاً يتعلق بأشخاص، وإنما باعتباره جزءاً من سلامة الإدارة العامة وحدود ممارسة السلطة داخل مؤسسات الدولة. فالقضايا الإدارية التي لا تجد ما يكفي من الانتباه قد تتحول، مع الوقت، إلى ممارسات يصعب تصحيحها.
والدولة أكبر من مسمّى مدير مكتب، والمؤسسة العامة واستقرارها أكبر من أي موقع وظيفي، والإدارة لا تُبنى على النفوذ الشخصي، وإنما على وضوح الصلاحيات، وسيادة القانون، والمساءلة، ووصول القرار والمعلومة عبر القنوات المؤسسية الصحيحة.
وهنا أضع السؤال أمام حكومة حسان:
هل آن الأوان لأن يحظى هذا الملف بما يستحقه من «انتباه» ومراجعة مؤسسية؟
