أثارت تصريحات نقابة صيادلة الأردن الأخيرة، الرافضة لتداول الأدوية وتوصيلها عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية خارج الصيدليات المرخصة، نقاشاً مهماً حول الطريقة التي ينبغي أن يتم بها تداول الدواء في الأردن. ونحن نؤيد موقف النقابة في ضرورة الالتزام بالتشريعات الناظمة للمهنة، وحصر تداول الأدوية وصرفها ضمن الأطر القانونية التي تضمن سلامة المواطن وتحافظ على الدور المهني للصيدلي. وقد أكدت المؤسسة العامة للغذاء والدواء بدورها أن صرف الأدوية محصور بالصيدليات المرخصة وتحت إشراف صيدلي مرخص، وأنها تتابع المخالفات الإلكترونية وتحيلها إلى الجهات المختصة.
لكن الالتزام بالتشريع لا ينبغي أن يكون انتقائياً؛ فإذا كنا نطالب بتطبيق القانون على التطبيقات والمنصات الإلكترونية، فمن الطبيعي أن نطالب في الوقت نفسه بتطبيق جميع التشريعات والتعليمات على الصيدليات ومقدمي الخدمة الصحية والمواطنين على حد سواء.
التشريع ليس لحماية المهنة فقط
الهدف الأساسي من تنظيم تداول الدواء ليس حماية قناة البيع أو مصلحة فئة مهنية بعينها، وإن كانت حماية المهنة جزءاً مشروعاً من التنظيم، وإنما حماية المريض وسلامة الدواء وجودة الخدمة الدوائية.
ومن هنا فإن تطبيق التشريعات يجب أن يشمل أيضاً الالتزام بوصفات الأدوية التي تستوجب وصفة طبية، وعدم صرفها للمريض من دون وصفة معتمدة، وبخاصة المضادات الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة. فتعليمات الوصفات الطبية والسجلات لسنة 2025 تنظم أنواع الوصفات الطبية وطريقة صرفها وتسجيلها، وتخصص نموذجاً للمضادات الحيوية من مجموعة Reserve الخاصة بالمستشفيات. وتُستخدم هذه المضادات الحيوية كملاذ أخير فقط عندما تفشل الخيارات العلاجية الأخرى أو في حالات العدوى المهددة للحياة.
وهنا تبرز أهمية أن تكون الرسالة المهنية متسقة: لا يجوز أن نرفض بيع الدواء خارج الصيدلية بحجة مخالفة التشريع، ثم نتسامح مع مخالفة التشريع داخل الصيدلية نفسها. فالقانون يجب أن يحكم طرفي المعادلة.
الاستخدام الرشيد للدواء
القضية لا تتوقف عند مكان بيع الدواء، بل تمتد إلى السؤال الأهم: هل يحصل المريض على الدواء الصحيح، للسبب الصحيح، بالجرعة الصحيحة، وللمدة المناسبة؟
هذا هو جوهر مفهوم الاستخدام الرشيد للدواء او حوكمة الدواء الذي تؤكد عليه منظمة الصحة العالمية، والذي يعني حصول المريض على الدواء المناسب لحاجته السريرية، بالجرعة التي تلائم حالته، وللمدة الكافية، وبأقل تكلفة ممكنة على المريض والمجتمع. وتحذر المنظمة من أن الاستخدام غير الرشيد يؤدي إلى نتائج علاجية واقتصادية سلبية .
وتبرز المضادات الحيوية بصورة خاصة. فمقاومة مضادات الميكروبات أصبحت مشكلة صحية عالمية، والأردن يعمل بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية على تعزيز الرقابة على استخدامها وترشيد وصفها، كما تبنت المؤسسة العامة للغذاء والدواء تصنيف منظمة الصحة العالمية AWaRe (الوصول والمراقبة والاحتياط) للمضادات الحيوية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة تعزيز إنفاذ ومراقبة عدم بيع المضادات الحيوية من دون وصفة.
لذلك فإن ضبط صرف المضادات الحيوية ليس تضييقاً على المواطن ولا تدخلاً في عمل الصيدلي، وإنما جزء من حماية فعالية هذه الأدوية للأجيال القادمة، ومنع الاستخدام غير الضروري الذي قد يضر بالمريض والمجتمع معاً.
فاتورة دوائية تستحق المراجعة
هناك سبب اقتصادي وصحي آخر يجعلنا بحاجة إلى تطبيق صارم ومتكامل للتشريعات. فالأردن أنفق في عام 2023 نحو 814 مليون دينار على الأدوية، أي 29.5% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري. وهذه الإنفاق يستهلك حصة كبيرة من الموارد الصحية، خصوصاً في نظام صحي يواجه ضغوطاً مالية متزايدة، وتعد من النسب العالية عالميا.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنفاق على الدواء مرتفع بسبب الصيدليات أو بسبب المرضى وحدهم؛ فالفاتورة الدوائية تتأثر بعوامل كثيرة، من أنماط وصف الأدوية واستخدامها، إلى أسعارها، وانتشار الأمراض المزمنة، وتعدد جهات الشراء والتأمين، والهدر، وعدم الالتزام أحياناً بالبروتوكولات العلاجية.
لكن كل هذه العوامل تجعل الاستخدام الرشيد للدواء جزءاً أساسياً من إصلاح النظام الصحي وضبط الإنفاق فيه.
المطلوب منظومة متكاملة
نحن بحاجة إلى تطبيق متكامل للتشريعات التي تنظم دورة الدواء كاملة: تسجيله وتسعيره وتخزينه ونقله وتداوله والترويج له ووصفه وصرفه واستخدامه، مع رقابة فعالة على الصيدليات والمنصات الإلكترونية ومقدمي الخدمة الصحية، وبالتوازي مع توعية المواطن بحقوقه ومسؤولياته.
كما نحتاج إلى تعزيز الصيدلة السريرية، والبروتوكولات العلاجية، والتدقيق في وصف وصرف الأدوية، وبرامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية، والاستفادة من التحول الرقمي في بناء نظام وصفة إلكترونية ورقابة أفضل على حركة الدواء، بدلاً من أن تتحول التكنولوجيا إلى قناة جديدة لتجاوز التشريعات.
إن حماية الصيدلي ومكانة مهنة الصيدلة مهمة، لكن حماية المريض أهم، وهما في الأصل ليسا هدفين متعارضين. والصيدلي المهني أول المستفيدين من نظام واضح يحدد المسؤوليات ويمنع المنافسة غير المشروعة ويضمن في الوقت ذاته الاستخدام الآمن للدواء.
لذلك فإن رسالتنا إلى نقابة الصيادلة والجهات الرقابية ومختلف أطراف القطاع الصحي بسيطة وواضحة: نحن مع تطبيق التشريعات على التطبيقات والمنصات غير المرخصة، ومع تطبيقها بالصرامة نفسها على كل صيدلية وكل جهة وكل فرد يتعامل مع الدواء.
فالدواء ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها بمنطق السوق وحده؛ إنه تدخل علاجي قد ينقذ حياة الإنسان وقد يضرها إذا أسيء استخدامه. ومن هنا فإن إنفاذ التشريعات ليس دفاعاً عن مهنة أو قناة توزيع، بل هو جزء من مسؤولية النظام الصحي تجاه المريض، وجودة الرعاية، وترشيد الإنفاق، والحد من الهدر، وضمان بقاء الدواء آمناً وفعالاً لمن يحتاج إليه.
