كان خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر أشبه بمحاولة لإخضاع الحقيقة للخطاب السياسي. ففي دقائق قليلة، قدّم احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً باعتباره خطراً محققاً، وصوّر ضرب المنشآت النووية الإيرانية وكأنها عملية أنقذت العالم من موت مؤكد، ونفى عملياً وجود كارثة إنسانية في غزة، ووصف اتهامات الإبادة الجماعية بأنها كذبة القرن، وقلّل من عنف المستوطنين في الضفة الغربية. المشكلة أن هذه الرواية لا تقف دائماً على أرض صلبة من الأدلة، بل تقوم في أجزاء منها على تحويل الاحتمال إلى يقين، والانتقاء من الوقائع، وتقديم الرواية السياسية باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
لقد تحدث نتنياهو من منبر الأمم المتحدة كما لو أنه يقف أمام محكمة لا تملك حق مساءلته، لا أمام منظمة دولية يفترض أن وظيفتها مساءلة الدول عن أفعالها. بدأ بالقول إن إسرائيل منعت إيران من تطوير قنبلة نووية، وإن عدم قيامها بذلك كان سيعني موت الجميع. لكن الفرق هائل بين القول إن البرنامج النووي الإيراني كان مصدر خطر حقيقي على اسرائيل، وبين الجزم بأن إيران كانت على وشك امتلاك قنبلة واستخدامها ضد إسرائيل، هذا الفرق هو تحديداً ما حاول نتنياهو دفنه تحت نبرة الكذب.
فهو لا يقدم للعالم دليلاً جديداً على أن قراراً إيرانياً باستخدام سلاح نووي كان وشيكاً؛ بل يقدم النتيجة أولاً، ثم يبني حولها رواية تبرر الحرب.
ثم ينتقل إلى غزة، حيث تصبح المفارقة أكثر فجاجة، نتنياهو لا يكتفي برفض اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وإنما يقلب الصورة بالكامل: إسرائيل، في روايته، هي التي تمنع الإبادة، ومن يتهمها بذلك هو صاحب كذبة القرن. لكن القضية أمام محكمة العدل الدولية ليست حكماً صدر لمصلحة نتنياهو كي يعلن إغلاقها من على منصة الأمم المتحدة؛ إنها قضية قانونية ما زالت منظورة والعالم مقتنع اصلا بحدوث الابادة الجماعية.
والأدهى أن نتنياهو حاول استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح دعائي لنفي المعاناة في غزة. فوجود الغذاء والدواء واللقاحات لا يعني أن السكان حصلوا عليها بالكميات الكافية، ولا يمحو آثار الحرب والدمار والنزوح. منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت في وقت سابق من العام البنية الإنسانية في غزة بأنها ما زالت في وضع بالغ الخطورة، بينما واصلت الأمم المتحدة توثيق الاحتياجات الإنسانية الواسعة.
وفي الضفة الغربية، كرر نتنياهو الأسلوب نفسه عندما حاول التقليل من عنف المستوطنين وتصويره باعتباره ظاهرة هامشية. لكن التقارير الأممية وثقت خلال السنوات الأخيرة اتساع هذه الظاهرة، بما في ذلك سقوط ضحايا وعمليات نزوح مرتبطة بهجمات المستوطنين وقيود الحركة والوصول، وفي عام 2026، سجلت الأمم المتحدة تصاعداً خطيراً في عنف المستوطنين.
المشكلة إذن ليست أن نتنياهو يكذب في بعض الأرقام فحسب، المشكلة أنه يمارس محاولة إعادة تعريف الواقع،: حين يكون الاحتمال النووي الإيراني مبرراً لحرب، يصبح يقيناً، وحين تكون بعض المساعدات الإنسانية موجودة، تصبح غزة بلا كارثة. وحين تكون هناك ابادة جماعية في قضية أمام محكمة دولية، تصبح القضية كذبة، وحين يتكرر عنف المستوطنين، يصبح مجرد حفنة مشاغبين.
إنها طريقة خطرة في صناعة الحقيقة: لا تناقش الوقائع، بل تغيّر معنى الوقائع.
القضية هي أن رئيس حكومة متهمة سياساتها في غزة وإيران والضفة بإثارة أسئلة دولية واسعة، جاء إلى المنظمة الدولية نفسها ليخبرها بأن المشكلة ليست في سياسات حكومته، وإنما في العالم الذي يرفض روايته.
هنا يصبح الخطاب أكثر من مجرد دفاع سياسي، إنه محاولة لإعادة ترتيب الحقيقة بالقوة بحيث يصبح ما تقوله إسرائيل حقيقة، وما يقوله الآخرون دعاية؛ ما تفعله إسرائيل دفاع عن النفس، وما يفعله خصومها إرهاب؛ وما لا تستطيع إسرائيل تفسيره يصبح مؤامرة دولية، لكنه يعلم ان العالم لا يحتاج إلى خطابات أعلى صوتاً، بل إلى أدلة مادية واضحة.
وفي النهاية، لقد كان خطاب نتنياهو مثالاً صارخاً على مأزق السياسة الإسرائيلية الحالية فكلما اتسعت الفجوة بين السردية الاسرائيلية والواقع، ارتفع مستوى الانهيار الاخلاقي للدولة.
