في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يستمر الاحتلال الصهيوني في غزة والضفة الغربية، وتتواصل الاعتداءات العسكرية والاستيطانية على الفلسطينيين، فيما تبقى المقاومة الفلسطينية محاصرة ومحدودة، جاءت حادثة إصابة جندي صهيوني عند أحد الحواجز في الضفة الغربية إثر عملية دهس بطوليه قام بها مقاوم فلسطيني قدم حياته ثمنا لذلك لتكشف، من زاوية مختلفة، مفارقة تستحق التأمل.
فالجندي المصاب هو نيريا دوف ليتر، نجل السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر. وقد أُصيب بجروح خطيرة في حادث دهس عند حاجز مكابيم غربي رام الله في 23 أيلول، وأُجريت له جراحة طارئة في الدماغ، فيما بقيت حالته حرجة. ووفق ما أعلنه والده، كان نيريا قد خدم مئات الأيام في قوات الاحتياط وعلى جبهات مختلفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لكن المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما نعرف أن شقيقه الأكبر، موشيه يديديا ليتر، كان أيضًا جندي احتياط، وقد قُتل أثناء العدوان على غزة في في تشرين الثاني 2023. أي أن عائلة السفير الإسرائيلي لم تكن بعيدة عن تبعات القرارات العسكرية العدوانية التي اتخذتها دولتها، رغم الموقع السياسي والدبلوماسي الرفيع الذي يشغله رب الأسرة.
ليس في ذلك ما يبرر الاحتلال أو العدوان الصهيوني، ولا يلغي بأي شكل الفارق بين قوة احتلال تملك جيشًا متفوقًا وبين شعب فلسطيني اعزل يعيش تحت الاحتلال ويقاومه. لكن القصة تفتح بابًا أوسع للتأمل في مفهوم المواطنة وتوزيع أعباء الدولة.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يخدم ابن السفير؟
وإنما: هل يشعر أبناء النخب في مختلف المجتمعات وخاصة العربية بأن لهم نصيبًا من الواجبات والمسؤوليات يوازي نصيبهم من المزايا والفرص؟
هذه مسألة تتجاوز الخدمة العسكرية. فالعدالة في الدولة لا تعني توزيع الحقوق والمنافع فقط، وإنما تعني أيضًا توزيع المسؤوليات والأعباء بصورة عادلة. وعندما يُطلب من الشباب أن يخدموا وطنهم، أو يتحملوا مخاطر الدفاع عنه، أو يقدموا سنوات من أعمارهم في سبيله، يصبح من الطبيعي أن يتوقع المواطن أن لا تكون المكانة الاجتماعية أو السياسية طريقًا للابتعاد عن الواجب.
ومن هنا تكتسب القصة دلالتها في منطقتنا العربية أيضًا، من دون حاجة إلى إطلاق أحكام عامة على أبناء المسؤولين. فهناك بالتأكيد أبناء مسؤولين خدموا في مؤسسات الدولة والقوات المسلحة وتحملوا مسؤولياتهم الوطنية. لكن السؤال الذي تثيره المقارنة يظل مشروعًا: هل تتوزع الواجبات الوطنية بالعدالة نفسها التي نتمنى أن تتوزع بها الامتيازات والفرص؟
الأردن… حين يصبح الواجب عامًا
ولعل من الإنصاف هنا التوقف عند خطوة أردنية حديثة تحمل دلالة مهمة في هذا المجال. فقد أعادت المملكة تفعيل خدمة العلم، وأعلنت الحكومة والقوات المسلحة أن اختيار الدفعات الأولى يتم إلكترونيًا بأسلوب السحب الإحصائي المحايد، وفق منهجية علمية تكفل العدالة وعدم التمييز، مع مراعاة التوزيع السكاني بين المحافظات. كما أكدت الحكومة أن البرنامج سيتوسع تدريجيًا ليشمل غالبية الفئات المستهدفة ممن تنطبق عليهم الشروط.
وهذا المبدأ مهم بحد ذاته، لأن قيمة خدمة العلم لا تكمن فقط في التدريب العسكري أو الانضباط، وإنما في الرسالة التي تحملها: أن الوطن ليس مجموعة امتيازات يحصل عليها البعض، ومجموعة واجبات يتحملها البعض الآخر.
وحين يشعر الشاب بأن القانون يطبّق عليه كما يطبّق على غيره، وأن اسم العائلة أو المكانة الاجتماعية لا يمنحه حصانة من الواجب، فإن ذلك يعزز مفهوم المواطنة ويقوي الثقة بالدولة ومؤسساتها.
حقوق متساوية وواجبات متساوية
وربما لهذا السبب تستحق قصة ابن السفير الإسرائيلي أن نتوقف عندها قليلًا ونسأل سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:
هل الذين يتمتعون بالمزايا التي تقدمها الدولة لهم مستعدون أيضًا لتحمل نصيبهم من أعبائها؟
فتقدُم الدول لا يقاس فقط بما تمنحه الدولة لمواطنيها، وإنما أيضًا بدرجة شعور المواطنين بأن المسؤولية مشتركة، وأن القانون والواجب لا يتوقفان عند أبواب أصحاب النفوذ.
وفي النهاية، قد تكون قوة الدولة الحقيقية في تلك المعادلة البسيطة: حقوق متساوية، وواجبات متساوية، ومسؤولية لا تستثني أحدًا.
