في موسم القبول الجامعي، ينشغل كثير من الطلبة بالسؤال: "ماذا يسمح لي معدلي أن أدرس؟”، بينما الأجدى أن يسأل الطالب: "ماذا سأكون قادرًا على أن أفعل بعد التخرج؟”. فالقبول ليس غاية، بل بداية مسار يفترض أن يقود إلى معرفة ومهارة ومهنة وقدرة على التطور.
وتبدأ مشكلة الاختيار عندما يصبح اسم التخصص أو صورته الاجتماعية أهم من محتوى التعليم وفرصه. فقد يدخل الطالب تخصصًا مشهورًا ليكتشف أن طبيعته لا تناسب قدراته، أو يتخرج ليجد أن سوق العمل يحتاج إلى مهارات لم يكتسبها. لذلك، لا يبدأ الاختيار الواعي بقائمة التخصصات، بل بفهم قدرات الطالب، وطبيعة المهنة، واتجاهات السوق، وجودة البرنامج.
ولا ينبغي وضع البكالوريوس والدبلوم التقني في مواجهة بعضهما. لكل منهما وظيفة مختلفة. فالبكالوريوس يوفر عادة قاعدة علمية ومعرفية أوسع، ويلائم المهن التي تتطلب دراسة معمقة، كما يفتح المجال للدراسات العليا والبحث والتخصص. أما الدبلوم التقني فيركز بصورة أكبر على التطبيق والكفايات المهنية والاستعداد للعمل، وتزداد قيمته عندما يستند إلى معايير دولية واضحة، وتقييم مضبوط، وتدريب عملي، ويتيح إمكانية البناء عليه لاستكمال التعليم.
وتؤكد التجارب العالمية أهمية تعدد المسارات. ففي ألمانيا يجمع التعليم المهني المزدوج بين الدراسة والتدريب داخل الشركات، وفي سويسرا يسلك نحو ثلثي الشباب مسار التعليم والتدريب المهني، بينما تقدم كليات البوليتكنك في سنغافورة تعليمًا تطبيقيًا وثيق الصلة بالصناعة مع إمكانية مواصلة التعليم الجامعي. وفي الوقت نفسه، تحافظ هذه الدول على جامعات قوية وبرامج بكالوريوس وبحث علمي متقدمة. فالنجاح لم يكن في فرض مسار واحد على الجميع، بل في بناء مسارات متعددة بجودة عالية.
ويشهد الأردن توجهًا متزايدًا نحو التعليم التقني والتطبيقي وربط البرامج بالمهن والكفايات المطلوبة. وفي هذا السياق، تأتي تجربة الكلية التقنية في جامعة اليرموك بإضافة برامج للدبلوم التقني الدولي وفق معايير Pearson BTEC إلى جانب المسارات الأكاديمية، ضمن توجه أوسع لتوفير خيارات تعليمية تتناسب مع اختلاف قدرات الطلبة وأهدافهم المهنية.
لكن كلمة "دولي” لا تكفي وحدها لاختيار برنامج، كما أن كلمة "بكالوريوس” لا تضمن مستقبلًا مهنيًا. المعيار هو ما يحدث داخل البرنامج: ماذا سيتعلم الطالب؟ كيف سيُقيّم؟ كم سيمارس؟ أين سيتدرب؟ ما جودة المختبرات والورش؟ وما علاقته بالقطاع الذي سيعمل فيه؟
والأفضل أن يبحث الطالب عن المهنة خلف التخصص. فإذا كان يفكر في الأمن السيبراني أو تحليل البيانات أو الهندسة أو التصميم أو السياحة والضيافة، فعليه أن يعرف طبيعة الوظائف الفعلية والمهارات والأدوات التي يستخدمها العاملون فيها. فالاسم الحديث أو الجذاب لا يصنع مستقبلًا إذا لم يقترن بكفاءة حقيقية.
وهناك طريقة عملية بسيطة قبل تثبيت الرغبات: اختر ثلاثة تخصصات تفكر فيها، وابحث عن عشرة إعلانات توظيف حديثة في كل مجال، وسجل المهارات التي تتكرر فيها. ثم افتح الخطة الدراسية لكل برنامج واسأل: كم من هذه المهارات سأتعلم وأمارس فعلًا؟ وهل يتضمن البرنامج تدريبًا ومشروعات تطبيقية واتصالًا حقيقيًا ببيئة العمل؟
