يا صاحب القلم،
حقُا، إن المناصب لا تُصان بالشهادات المعلقة على الجدران، ولا تُبنى بالطاعة العمياء وتعطيل الحواس. لقد جربنا طويلا معيار "من يطيع أكثر" فكانت النتيجة: مسؤولٌ يُتقن التخريب والفساد حين يُطلق له العنان؛ لأنه لم يتعلم يومًا كيف يفكر، بل تعلم كيف ينفّذ؟
لقد كتبتُ من قبل أن العلم لا يظهر في كثرة ما نحفظ، بل يظهر في وعي الفرد، وفي قدرته على التحليل، والنقد الواثق، والحكمة في الرأي، واحترام الاختلاف، وتقييم الذات، والتراجع عن الخطأ. وهنا أكررها لكل متجبر: المعرفة، والتواضع صنوان أساسيان ليكون الإنسان إنسانا، والمسؤول مسؤولاً.
لقد سئمنا من سؤالكم المكرر: ماذا يعرف فلان؟ ولمن يتبع فلان؟ وحان وقت السؤال الصحيح الذي يبني الدول: كيف يفكر فلان؟ وماذا يملك من عواطف إيجابية داعمة ومنتمية تتسق مع مصالح الدولة العليا؟
إن معايير الاختيار يجب أن تنتقل من دائرة الولاء، وتنفيس الكبت، إلى دائرة الكشف العلمي الدقيق. وهذا الكشف لا يكون إلا عبر خمسة اختبارات هي:
1. اختبار التحليل، لا التعميم:
فصاحب الفكر لا يرى المشكلة كتلة واحدة، صمّاء فيصرخ في وجهها، بل يفككها. اسأل فلانا: كيف حللت أزمة مرت عليك؟ هل فصلت بين الأسباب والنتائج؟ بين الدائم والعابر؟ فمن لا يُحسن التحليل، سيحكم بالتعميم، والتعميم هو مقبرة العدالة، ومقتل الإدارة.
2. اختبار النقد الواثق، لا التجبر المتعجرف:
نحن لا نريد ناقداً شتّاما، ولا مادحًا منافقًا. نريد من يملك النقد الواثق؛ ينقد الفكرة بالدليل، ولا ينقد الشخص بالتشهير. انظر إلى سجله: هل انتقد يومّا قرارّا خاطئًا لرئيسه باحترام، ومهنية؟ أم أن تاريخه كله تصفيق؟ فالمتجبر لا ينقد؛ لأنه يظن نفسه فوق النقد، والخائف لا ينقد؛ لأنه يظن نفسه تحته، وكلاهما لا يصلح لحمل الأمانة.
3. اختبار الحكمة واحترام الاختلاف:
العلم بلا حكمة خطر. والحكمة تظهر حين يجلس المختلفون على طاولة واحدة. هل يستمع فلان للمخالف ليُكمل به الصورة، أم ليبحث عن ثغرة ليُقصيه؟ الدولة العليا لا تُبنى بعقل واحد، بل بعقول مختلفة تحترم بعضها. من لا يحترم الاختلاف، سيحول المؤسسة إلى صدى لصوته وحده، وستصمت كل الأصوات من حوله خوفًا.
4. اختبار تقييم الذات والتراجع عن الخطأ:
وهذه هي قمة العلم، وذروة الوعي. كلنا نخطئ، لكن القليل من يملك شجاعة المراجعة. اسأل: متى قال فلان آخر مرة: "أخطأت وسأصحح"؟ إن لم تجد له سابقة في التراجع، فاعلم أنك أمام شخص سيأخذ المؤسسة معه إلى الهاوية، ويأبى أن يتراجع؛ لأنه يظن أن التراجع هزيمة، وهو في الحقيقة قمة القوة، والنضج.
