جو24- كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان
قبل أن يقول بنيامين نتنياهو كلمته الأولى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان المشهد قد سبقه إلى الكلام.
فمع صعوده إلى المنصة، بدأت وفود دبلوماسية بمغادرة القاعة، في مشهد يتكرر للعام الثاني على التوالي. وردّ نتنياهو لم يكن تجاهل الصورة أو محاولة امتصاصها، بل واجهها مباشرة قائلاً إن كان هناك مزيد من «الجبناء الأخلاقيين» الذين يريدون المغادرة فليفعلوا ذلك الآن. وفي المقابل، كان مؤيدوه في الشرفة يصفقون ويرددون شعارات التأييد حتى اضطر رئيس الجلسة إلى طلب الهدوء.
وهنا بدأت المفارقة.
الرجل الذي جاء ليعلن أن إسرائيل «لم تكن يومًا بهذه القوة»، أمضى جزءًا كبيرًا من خطابه يدافع، ويبرر، ويرد، ويتهم.
دافع عن الحرب في غزة، وعن العمليات في الضفة الغربية، وعن مواجهة إيران وحزب الله، وعن الجيش الإسرائيلي، وعن موقف حكومته من المساعدات والإبادة الجماعية، ثم اتسعت دائرة خصومه لتشمل قطر والجزيرة وتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان وعمدة نيويورك زهران ممداني والجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات دولية وناشطين.
كل هؤلاء، وفق البناء الذي قدمه نتنياهو، أخطأوا في فهم إسرائيل أو تعمدوا تشويهها.
لكن عندما تصبح قائمة المتهمين بهذا الاتساع، يصبح من المشروع طرح سؤال مختلف: هل المشكلة فعلًا في أن العالم كله لا يفهم إسرائيل، أم أن السياسات الإسرائيلية نفسها باتت تواجه أزمة قبول دولية متزايدة؟
حتى الإعلام الإسرائيلي تحدث قبل الخطاب عن مرحلة دبلوماسية صعبة، فيما جاءت زيارة نتنياهو إلى نيويورك قصيرة بصورة استثنائية، ومن دون اجتماع معلن مع الرئيس دونالد ترامب. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن السفير السابق في واشنطن مايكل أورن قوله إن نتنياهو لا يخاطب الأمم المتحدة بقدر ما يخاطب الجمهور الإسرائيلي، وإن الكلمة تحمل ملامح خطاب انتخابي، خصوصًا أن الانتخابات الإسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وهذا يفسر كثيرًا من لغة الخطاب.
نتنياهو أراد تقديم نفسه للإسرائيليين باعتباره الرجل الذي ضرب إيران، وأضعف حزب الله، وحطم حماس، وأعاد الرهائن، ووقف أمام العالم مدافعًا عن إسرائيل.
لكنه في المقابل استند بقوة إلى الولايات المتحدة والرئيس ترامب، وكرر الإشادة بالشراكة الأميركية في الحرب على إيران، حتى إن صورة «إسرائيل التي لا تحتاج إلى أحد» اصطدمت بصورة أخرى داخل الخطاب نفسه: إسرائيل التي تجعل التحالف العسكري والسياسي الأميركي أحد أعمدة انتصارها.

