شهادة حسن سلوك

ماهر أبو طير
وقفة الاردنيين غضبا لاستشهاد القاضي رائد زعيتر، يتوجب ان لا يتم تلطيخها بتحليلات في غاية السوء، وهي تحليلات تنزع دوما الى الشك وتشويه السمعة.

الامراض السياسية تنتقص من هذه الوقفة وتغمز من حجمها برغم انه لا يمكن الا تقديرها واحترامها، في نهاية المطاف.

نقرأ هنا وهناك كلاما يقول ان الدولة لن تقف ضد الجريمة لكون القاضي اردنيا من اصل فلسطيني، وآخرون يريدون وضع الاردنيين تحت الامتحان للمرة المليون لاثبات وطنيتهم، باعتبارهم -وفقا لهؤلاء- لن يهتموا لان القاضي من اصل فلسطيني، وبالتالي فان الكراهية الوهمية المفترضة للاردني من اصل فلسطيني، بنظر هؤلاء، ستجعل الاردنيين يبرّدون قيمة القصة، ويتسامحون مع الاسرائيلي، ما دام القتيل ليس الا مجرد فلسطيني!

هذه اراء مهينة وسيئة وخطيرة جدا، وكأن الاردني الوحيد قيد الاختبار عروبيا ووطنيا، وكأن كل الشعوب العربية ادت حقوقها تجاه فلسطين، باستثناء الاردن والاردنيين.

هذا على الرغم من معرفتنا اساسا ان اكثر بلد عربي واسلامي له شهداء تاريخيا في فلسطين، هو الاردن، ومعرفتنا ايضا ان الاردني يتشارك مع الفلسطيني في كل شيء، من الهوية السياسية الى النسب مرورا بالجيرة والجوار والحياة الواحدة والتاريخ والجغرافيا.

لماذا ننزع الى تلطيخ كل شيء جميل، هذه الوقفة المشرفة سياسيا وشعبيا، لا يمكن مسها، فإلى متى سيبقى بعضنا يتصرف باعتباره مطرقة تطرق رؤوس الاردنيين، باعتبارهم تحت امتحان يومي لاثبات عدم الاقليمية، واثبات الوطنية، للحصول على شهادات حسن سلوك؟!.

نحن جميعا عربا ومسلمين، لا نتهاون مع الدم، ولا يمكن ان يكون الاسرائيلي بديلا عن الشقيق والاخ، خصوصا، ان الاسرائيلي يهدد الاردن في بنيانه، كما ابتلع فلسطين.

اذا كانت هناك اراء مريضة فلا يمكن تعميمها هنا، ولا يجوز سحب اراء شاذة على الاغلبية الكبيرة من الناس، واذا كانت هناك اتجاهات سياسية تخاذلت بإعلان موقفها، فهذا التخاذل محسوب عليها، لا على الاغلبية الكبيرة من الاردنيين.

لماذا لا يتوقف بعضنا عند وقفة الاعلام والنواب والاعيان والاحزاب والحكومة والقضاة والمحامين والتعليقات على التويتر والفيس بوك، واراء الناس في مجالسهم؟!.

لماذا يراد ان تصبح كل الهبة الوطنية من باب تبييض السمعة ومن اجل دور وظيفي عنوانه اقناع نفر قليل ان اهل الاردن لايفرقون بين اردني و آخر، ولا يتنازلون عن دم اردني ايا كان اصله او عرقه، ولماذا يضعون الناس والنخب، في زاوية طلب شهادة حسن سلوك من هذا او ذاك؟!.

بماذا نسمي وقفة الناس غضبا عند السفارة الاسرائيلية، وفي قصر العدل، وفي جامعة مؤتة، والناس تتصرف على سجيتها ونقاء معدنها، فيما بعضنا يريد وضعها في صورة المدافع عن نفسه والذي يخضع للاختبار، والذي يريد ان يثبت انه وطني لمحاكم التفتيش المستجدة المنصوبة من جانب هذا النفر؟!.

اذا كان لدى البعض معلومات او واقع يؤكد ان بلدا عربيا او اسلاميا وقف الى جانب فلسطين والشعب الفلسطيني، كما وقف الاردن واهله، فليدلني هؤلاء عليه!.

انا ازعم ان ما في سريرة هذا البلد واهله تجاه فلسطين، واهلها، طيب ونقي وعظيم، ولا يتم التشويش عليه، او استثارة الناس، الا بسبب ممارسات القلة التي تتاجر بهكذا قصص، وفي مرات كثيرة فان غاضب الكلام يأتي من باب رد الفعل، على اطالة اللسان، او انتقاص الاخوة والجيرة، ومس العشرة والعمر، او مواصلة ذات «البكائية» لحصد مزيد من الارباح.

ليس من الممكن ابدا ان يكون خيار الاردنيين اسرائيل نكاية بالفلسطينيين او بالاردنيين من اصل فلسطيني، او بديلا عنهم، فكفانا متاجرات رخيصة، وكفانا هذا التوظيف المهين للدم، لانتزاع مزيد من شهادات حسن السلوك، ممن لا يحق له اساسا منحها او سلبها.

موقف الاردنيين تجاه مواطن من مواطنيهم، وقاض من قضاتهم، كان يرفع الرأس حقا، وهذا طبيعي جدا، لان الاردني يعرف جيدا ان نار الاسرائيلي اذ تم اطلاقها لم تعرف من امامها، قاض اردني من اصول نابلسية، ام قاض كركي او قاض رمثاوي جاء ليزور امه او صديقه في الضفة الغربية، وهو في النهاية «شهيد الضفتين» بكل ما في الكلمة من معنى وروابط.

لنترك الناس على سجيتهم، وطهارتهم، فهم احسن منا جميعا، وانتقال امراض النخب اليهم، هي التي خلقت هذه المناخات، التي عنوانها تخليق انطباع يقول ان القاضي اردني من اصل فلسطيني، ولن يرف لمقتله جفن اردني، شعبي او رسمي. يا لهذا الكلام المعيب !.

كل شيء لدينا يخضع للتوظيف من الحقوق المنقوصة الى الحقوق الفائضة، مرورا بتركيبة النواب والحكومة، وصولا الى قانون الانتخاب، وختاما بخطة كيري، والتوظيفات قد تفهمها احيانا وقد لا تفهمها، لكنك بالتأكيد لا تفهم ان يتم توظيف دم القاضي، في لعبة التراشقات الاقليمية القذرة التي مللنا منها، ونلعنها اناء الليل واطراف النهار.

توظيف الدم لحسابات سياسية رخيصة أمر مؤلم بحق.

mtair@addustour.com.jo


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على